افاق العلاقات الكوردية – الروسية على هامش زيارة الرئيس مسعود البارزاني الى روسيا ...خسرو بيربال القصاب- كاتب ومراقب سياسي

افاق العلاقات الكوردية – الروسية على هامش زيارة الرئيس مسعود البارزاني الى روسيا ...خسرو بيربال القصاب- كاتب ومراقب سياسي

ابتداءاً لابد من القول ان العلاقات الكوردستانية- الروسية علاقات تاريخية قديمة, فالقائد الراحل الخالد مصطفى البارزاني, ونتيجة للمؤامرات والدسائس والمكائد والاتفاقات المشبوهة التي تعرضت لها القضية الكوردية وبفعل مقاومته الباسلة للحكومات العراقية الدكتاتورية المتعاقبة, ان قرر ان يقود بعض كتائبه في اكبر رحلة الى اراضي اتحاد السوفيتي عندما استطاع بحكمته ومهاراته الفنية والقتالية من الوصول الى نهر اراس وليصل روسيا التي رحبت به وكتائبه كقائد سياسي تحرري وكرمز للنهضة الكوردية المعاصرة واخيراً كلاجئ سياسي, ليلقي حينها حفاوة وتقدير بالغيين تتناسب وحجمه ومكانته النضالية.

هذا الرجل العظيم الذي يصادف 1 آذار ذكرى رحيله عام 1979 عن عُمر قضاه في خدمة قضايا التحرر وحق تقرير المصير, اذ استطاع ان يدرك بوقت مبكر واقعية النضال الثوري الكوردي ومتطلباته, وعُمق الفكر الحضاري والثقافي المطلوب للقضية الكوردية فدخلت شخصيته عالم الاساطير, اذ دافعنا في استذكار هذه الرحلة, هو زيارة الرئيس مسعود البارزاني الاخيرة الى روسيا الاتحادية, والتي تأتي تأكيداً لمضامين واطر الزيارة القديمة والعلاقات التاريخية بين الكورد والروس, اذ لاقت زيارة السيد مسعود البارزاني نفس الحفاوة والتقدير والترحيب من الجانب الروسي كرئيس لأقليم كوردستان, فالرئيس البارازاني كان قد ولد في مهاباد, وصادف يوم ولادته تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني واعلان قيام دولة مهاباد الكوردية في 16 آب عام 1946 بعد هذا التاريخ وجد السيد مسعود البارزاني نفسه مقاتلاً في صفوف البيشمركَة وعمره 16 سنة, بل وجد نفسه في معمة القتال عام 1961 ولقد ساهمت الفترة الطويلة التي امضاها الرئيس مسعود البارازاني في ظل والده القائد الراحل ومدرسته النضالية الفكرية ان استلهم دروس القتال والقيادة معاً, اذ تم اختياره بالاجماع خلال المؤتمر التاسع للحزب الديمقراطي الكوردستاني رئيساً للحزب خلفاً لوالده, عام 1979, وهكذا بدأت مرحلة جديدة في الحياة النضالية للرئيس مسعود البارزاني بعد ان تعلم من والده الراحل الكثير الكثير ابتداءاً بمفهوم التسامح والصفح وانتهاءاً بممارسة العمل السياسي ومتطلباته واطره وصيغه بحكمة ودقة وموضوعية وواقعية, بل ليعبر بدقة عن مهمته الجديدة في قيادة الكورد كرئيس للحزب الديمقراطي الكوردستاني قائلاً انه لشرف عظيم ان اخدم شعبي وحزبي وأأمل ان استمر في المسيرة وسياسة المؤسس مصطفى البارزاني وهكذا كان له ذلك, فكان هذا الشبل من ذاك الاسد, ومن هنا يبدو واضحاً مواقف واتجاهات وممارسات والرؤية السياسية للرئيس مسعود البارازاني التي لم تأتي من فراغ, بل هي سياق منظم متسلسل متصل مع الاصول التاريخية والثقافية والحضارية لرموز القيادة الكوردية السابقة, وعلى رأسهم الراحل القائد مصطفى البارزاني والشعب الكوردي, فأستمر بنفس النهج يبحث عن فرص الحرية والحقوق بلغة سليمة اساسها تأمين مصالح وطموحات الشعب الكوردي.

وعلى ضوء ما تقدم فأن المنهج الذي اختاره الرئيس البارزاني لا يخرج عن كونه تصور ستراتيجي ينبع من متطلبات حماية المصالح الحيوية المشروعة للشعب الكوردي بحيث يطرح في جوانبه المختلفة عناصر الحماية المطلوبة ويقدم الاجابات النابعة من التصورات المستمدة من التاريخ والجغرافية والتراث الشعبي الكوردستاني مستوعباً كل المشاكل والمعوقات التي يمكن ان تواجه الوجود الحي للشعب الكوردي, فلقد ادرك الرئيس البارزاني منذ وقت مبكر ثمة حقائق لا بد من الاشارة اليها والتي يمكن اجمال بعضها بالاتي:-

- ان عالم اليوم, هو عالم متغير, وان هنالك اختلاف في المصالح والاهداف والاستراتيجيات وهو امر طبيعي وحتمي, وان هذه المتغيرات تتطلب من اي حكومة في ان لاتضع اوراقها في سلة واحدة, او اتجاه واحد, ولابد من تنويع العلاقات وعدم المراهنة على طرف واحد, فالرئيس البارزاني كان ولا زال لا يرفض اي مساعدة من اي جهة تدعو حقيقة الى استقرار المنطقة واشاعة السلام فيها وتحقيق طموحات الشعب الكوردي وحقهم في تقرير المصير, واستمرار مثل هذه العلاقات يتوقف على مدى استمرار هذه الاطراف على هذه السياسة.

- بفعل عوامل الانفتاح والعالمية وضرورات اقامة علاقات تعاون بين مختلف الدول والاقاليم لتحقيق مصالح واهداف مشتركة عمادها التوازن, حرص الرئيس البارزاني على هذا النهج, فالمهم للرئيس البارزاني مواجهة المشاكل والتحديات بالرؤية والحكمة, وان يلجأ الى الوسائل الدبلوماسية ابتداءاً التي عادة لا تكلف الثمن الباهض, ومن هنا ادرك اقليم كوردستان برئاسة مسعود البارازاني في ان يدير سياسته وفقاً لتفاعلات الواقعين الداخلية والخارجية والاستفادة التامة من قدرات الدول الكبرى من اجل الاستمرار في استكمال مسيرة البناء والاستثمارات والتنمية المستدامة والتي قطعت اشواطاً يعتز بها وفق زمن قياسي في الاقليم.

- لقد ادرك الرئيس البارزاني ان المضمون السياسي للأمن في الاقليم يتعلق بالقيمة الاستراتيجية للقرار السياسي الكوردستاني وبالاختيارات المتاحة الممكنة امامه على ضوء حركة عناصر التنمية والامن فيه, ومن هنا فأن قيادة الاقليم حرصت على معرفة اتجاهات حركة العلاقات الدولية, من اجل ان تتحرى عن مصالح الاقليم من خلال تأمين الوصول الى اقامة علاقات ودية مع الدول كافة والحفاظ عليها وعلى استمرارها ديمومتها والتي تؤمن بحق الشعب الكوردي في الحرية والحياة وحق تقرير المصير ولهذا وذاك فأن المضمون الاقتصادي لهذا الامن في الاقليم بدأ يعالج مسألة بالغة الاهمية تتعلق بتوفير الامكانات المادية والطبيعية والبشرية لتهيئةالقدرة الكوردستانية في حركتها الدائبة في الصراع العام الذي تخوضه في كافة المجالات لصياغة اسس يمكن الركون اليها في القوة والصمود تجاه التحديات والضغوطات التي يمكن ان يواجهها الاقليم, وعلى ضوء ما تقدم يبدو واضحاً ان الهدف من زياة الرئيس مسعود البارزاني لروسيا الاتحادية هو استكمال مرحلة النهوض الاقتصادي المفترض لاقليم كوردستان, بل لتجاوز بعض الصعوبات والمشاكل التي يواجهها الاقليم على الصعيد الصناعي والزراعي وضرورات التنمية الشاملة والمستدامة, بل وخلق شراكة اقتصادية حقيقية واقامة علاقات صناعية وتجارية وزراعية متبادلة والاستفادة من الخبرات الروسية في هذه المجالات, ومن هنا فأن على الجميع ان يدركوا ابتداءاً بدون تشويه هذه الحقائق وابعاد هذه الزيارة التاريخية.

ان اقليم كوردستان في الوقت الذي يسعى فيه الى متطلبات التنمية المستدامة, فأن الاقليم سيظل رغم كل الضغوطات على نهجه في سعيه الدائم في استثمار خطاب معتدل مؤداه تشكيل رأي عام خارجي وداخلي معادي لأي دكتاتورية مهما كان حجمها ولونها وتجاهاتها ومداها, وليدفع الجميع لتبني القضايا الانسانية العادلة وفق المعايير الشرعية الدولية وانطلاقاً من مفاهيمها ودلالاتها ورموزها, وفي ضوء افاق التعاون المشترك المتوازن والمطلوب وضرورات التطور الاقتصادي والثقافي والتكنلوجي والحضاري والانفتاح العالمي المطلوب, ان ما يهم الاقليم في هذه المرحلة هو تحقيق نظرية الامن الكوردستاني التي تتضمن مواصلة المسيرة النضالية التي جاهدت رموز الشعب الكوردي من اجل تحقيقها بنفس الارادة والتصميم والعزيمة والتوجهات بل توضيح حدود المجال الحيوي لحياة الشعب الكوردي ولتعكس عناصر ورغبة وارادة وقوة الشعب, وامكانات المواجهة المتوقعة والمفترضة في وقت الحرب والسلم والازمات وبقدر ما تعكس هذه النظرية قوة الشعب الكوردي فأنها بالدرجة الاساس تعكس لهم معنى وسبب وقوة وجودهم ومضمون تفكيرهم وجوهر الاهداف التي يناضلون من اجلها في اتجاه بلورة وخلق الحياة المستقبلية, وتوفر لهم الغطاء النفسي في تصور وممارسة حياتهم العامة كمواطنين من الدرجة الاولى, وعلى كافة المستويات وفي كل مراحل التاريخ المقبلة, وان تكون الاجواء النفسية آمنة ومستقرة مهيئة تماماً للشعب الكوردي لمواصلة حقه في الحياة الحرة الكريمة والديمقراطية, ومن هنا فأن المضمون الاقتصادي والانساني للزيارة الاخيرة للرئيس البارزاني لروسيا الاتحادية حالها حال بقية الزيارات التي قام بها الرئيس البارزاني للعديد من الدول الاوربية والعربية, ولاتحتاج الى تأويل وتشكيك, فهذه الزيارات تأتي ضمن اطارات ضرورات التعاون المشترك واقامة علاقات متوازنة لتحقيق مصالح واهداف مشتركة, في الوقت الذي يؤكد فيه ايمانه الكامل بضرورات التفاعل مع العالم, وعدم الانفلاق, كما يفترضه عالم اليوم, ان المضمون الاقتصادي لسياسة الرئيس البارازاني كان وما زال ينصرف الى معالجة البنية الاقتصادية لأقليم كوردستان ومحاولة تطويرها وترسيخ سبل التنمية المستدامة وتلبية الحاجات الاساسية لها, بل هي تعكس مجمل الحالات والقدرات الاقتصادية المتاحة والممكنة في هذه المرحلة للشعب الكوردستاني, اذ يبدو واضحاً في هذه المرحلة ان اقليم كوردستان بزعامة رئيس الاقليم بات يدرك تماماً ضرورات القيام بخطوات اصلاح وتحديث اقتصادي حقيقي واضح الاطر والمضامين والمعالم, وهو ما يحرص عليه الرئيس البارزاني من خلال تبنية استراتيجية اقتصادية علمية مناسبة تنبثق عن حزمة متكاملة متوافقة من التوجهات السياسية والاقتصادية والمالية والامنية, والتي من خلالها يستطيع ان يحقق الاقليم ما عجزت عليه الكثير من دول العالم الثالث التي سبقته في التأسيس, اذ ان الاقليم يستطيع من خلال هذه المعادلة والسياسة الحكيمة ان يحقق اندماجاً واضحاً مع الاقتصاد العالمي ومتواصلاً مع رياح العولمة والانفتاح ومتطلبات الانسانية وعلى ان لا يتم ذلك على حساب التضحية بالمصالح الكوردستانية وحقوق الانسان وهذا ما يبعث برسائل مطمئنة لكل الشعب الكوردي في ضمان حقوقه وحرياته ومستقبله السياسي والاقتصادي والحضاري, وكما اشار الى ذلك الرئيس البارازاني بكل وضوح وتجرد وحكمة, (لاضير من العولمة التي يستفاد منها الشعب طالما لاتعيق الديمقراطية والتعددية وحقوق الانسان)...

                   خسرو بيربال القصاب- كاتب ومراقب سياسي

اربيل

Pirbal@hotmail.com


 

ئه‌و بابه‌تانه‌ی له‌ کوردستان نێت دا بڵاوده‌کرێنه‌وه‌، بیروبۆچوونی خاوه‌نه‌کانیانه‌، کوردستان نێت لێی به‌رپرسیار نییه‌.

 

بابەتی زیاتری نووسەر