نظرية الإمامة لدی الشيعة..عرض ونقد ...خالد سندي - الحلقة (13)

نظرية الإمامة لدی الشيعة..عرض ونقد ...خالد سندي - الحلقة (13)

آثار الإعتقاد بالإمامة

ترك الإعتقاد بالإمامة آثاراً سيئة في عقيدة فرقة الشيعة الإمامية الإثني عشرية، وخلقت لديها أزمة متعددة الجوانب في الفكر والسلوك، زادت مع الأيام شقة الخلاف بينها وبين العقيدة الإسلامية التي جاء بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، حتى صار كثير من عقائدها في الطرف النقيض مما هو في الكتاب والسنة.

في الحلقات السابقة تطرقنا إلی ستة من آثارها، وهي؛ ١- عدم الإعتراف بالله تعالی وبنبينا محمد (صلی الله عليه وسلم).٢- عقيدة وحدة الوجود.٣- عقيدة تأليه الأئمة.٤- تحريف القرآن والتشکيك فيه.٥- نبذ السُّـنة وإسقاطها.٦- تكفير الصحابة وكل المسلمين وهدر دمائهم وإستحلال أموالهم. 

وفي هذه الحلقة نتناول:

7- الإعتقاد أن أئمتهم يعلمون الغيب:

حتی يکون بمقدور علماء الشيعة الإثني عشرية جعل عقائدهم الوثنية مستساغة لدی أتباعهم ومقبولة عندهم، ومن ثم تمريرها عليهم، يعزون تلك العقائد الباطلة والأفکار المنحرفة إلی بعض علماء أهل البيت (رحمهم الله) وأعلامهم، بعد أن أحاطوهم بهالة من التقديس، وغالوا فيهم إلی درجة أن أخرجوهم من بشريتهم ووصفوهم بصفات الله تعالی، حتی لم يترکوا له شيئا تقريبا.

ولقد رأينا في حلقات سابقة کيف أنهم جعلوا " أئمتهم " جزءا من الله تعالی، وذکروا أنهم يد الله وعين الله وقلب الله ونفس الله..تعالی الله عما يصفون.وفي هذه الحلقة أتطرق إلی جانب آخر من هذا الغلو وذلك التقديس وهو قولهم أن أولئك الأعلام کانوا يعلمون الغيب، وأنهم کانوا يعلمون ما كان وما يكون، وما کان يعزب عنهم شيء في الأرض ولا في السماء، وکانوا يطلعون علی ما يدور في خلجات النفوس وجنبات الصدور، وما تعتري القلوب من الأفکار، ورووا في ذلك روايات کثيرة، رغم أن الله تعالی نفی في عشرات الآيات علم الغيب عن کل المخلوقات، سواء ملائکة مقربين کانوا أو أنبياء مرسلين، في السماوات کانوا أم في الأرض.ورغم أن سيرة أولئك الأعلام أيضا تخالف تلك الإعتقادات والروايات تماما.

هنا سأنقل بعض تلك الروايات إلى المنسوبة إليهم، مع علمنا يقينا أنهم عنها برآء براءة الذئب من دم يوسف بن يعقوب (عليهما السلام)، وکما إفتروا عليهم في کل إعتقاداتهم الباطلة.

يروي محمد بن يعقوب الکليني في کتابه الکافي أن أبا عبدالله (عليه السلام) قال: إني لأعلم ما في السماوات وما في الارض، وأعلم ما في الجنة وأعلم ما في النار، وأعلم ما كان وما يكون " (١).

وروی عنه أيضا أنه قال: لقد أعطيت خصالا ما سبقني إليها أحد قبلي.علمت المنايا والبلايا، والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني، ولم يعزب عني ما غاب عني " (٢).

وعن أبي بصير أنه قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): " أي إمام لا يعلم ما يصيبه وإلى ما يصير، فليس ذلك بحجة لله على خلقه " (٣).

وذکر عبدالله بن حماد عن سيف التمار أنه قال: كنا مع أبي عبدالله (عليه السلام) جماعة من الشيعة في الحجر فقال: علينا عين ؟ فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحدا فقلنا: ليس علينا عين، فقال: ورب الكعبة ورب البنية - ثلاث مرات - لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما، ولأنبئتهما بما ليس في أيديهما، لأن موسى والخضر (عليهما السلام) أعطيا علم ما كان ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وراثة (٤).

ولم يقف الرافضة عند هذا الحد، بل تجاوزوه إلى أن جعلوا إرادة الإمام فوق إرادة الله تعالى علوّاً كبيراً، ومشيئته فوق مشيئة الله سبحانه وتعالى، أو بمعنى آخر أنهم جعلوا إرادة الله ومشيئته تابعتان لإرادة الإمام ومشيئته، رغم ما في القرآن من الآيات البينات أن الإنسان لا يستطيع أن يشاء إلا بمشيئة الله.وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ سورة التكوير/٢٩.

وقوله: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ سورة الإنسان.

ويقول: ﴿ كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦) سورة المدثر.

ويقول: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) سورة الأنعام

ويقول للنبي (صلی الله عليه وسلم): ﴿ ..إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ سورة فاطر/٢٢.

ويقول له أيضا: ﴿ وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤) سورة الكهف

وکذلك يقول له: ﴿ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ سورة القصص/٥٦.

رغم کل هذا يروون عن جعفر الصادق (رحمه الله) أنه قال: إذا أراد الامام أن يعلم شيئا أعلمه الله ذلك " (٥).وجاء عنه أيضا أنه قال: " إن الامام إذا شاء أن يعلم علم " (٦).وفي رواية أخرى عنه " إن الامام إذا شاء أن يعلم أُعلم " (٧).

في ردنا علی هذه الروايات وذلك الإعتقاد، نطالبهم بالدليل من کتاب الله تعالی، لذلك نسألهم هل توجد في القرآن آيات تدل علی أن أئمة الشيعة يعلمون الغيب ؟ وأنهم مستثناة من نفي علم الغيب عن المخلوقات ؟ وهل إستفاد أئمتهم في حياتهم من علم الغيب الذي کانوا يتصفون به حسب قول علماء الشيعة، أم لا ؟ وأين کتب أولئك الأئمة التي کتبوها وخلفوها لنا حتی نطلع علی علمهم ؟ هل لهم کتب فليرونا ؟

لنأتي إلی القرآن الذي هو کلام الله الذي أنزله علی نبينا محمد (صلی الله عليه وسلم)، لنری ما يقول عن علم الغيب وکيف يجعله خاصا بالله وحده لا شريك له، وأنه حجبه عن المخلوقات، إذ يقول الله تعالی:

﴿ وَلِلَّـهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ سورة هود/١٢٣.

وقوله: ﴿ قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ سورة النمل/٦٥.

ويقول: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ سورة الأنعام/٥٩.

وکذلك: ﴿ إِنَّ اللَّـهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ سورة لقمان/٣٤.

ولما کان علم الغيب خاصا بالله عزوجل لذلك حجبه حتی عن الملائکة ولم يطلعهم عليه، إذ قال الله تعالی:

 ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٣٠وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَـٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿٣١قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴿٣٢قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴿٣٣﴾ سورة البقرة.

وکذلك الأنبياء والمرسلين ما کانوا مطلعين عليه، فهذا نبي الله نوح عليه السلام ينفي عن نفسه علم الغيب، وفي ذلك يقول الله تعالی حکاية عنه:

﴿ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّـهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّـهُ خَيْرًا اللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٣١﴾ سورة هود.

وقوله: ﴿ قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ﴿١١١قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١١٢إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ﴿١١٣﴾ سورة الشعراء.

وهذا نبي الله إبراهيم عليه السلام ما کان يعلم به، إذ جاءه الملائکة وهو لا يعرفهم، ولم يعلم لماذا جاءوه، بل إعتبرهم ضيوفا عاديين لذلك قدم لهم الطعام، لکن لما رأی أيدهم لا تصل إليه أحس بالخوف منهم، ولم يعرفهم إلی أن عرَّفوا أنفسهم له، يقول الله تعالی:

﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴿٦٩فَلَمَّا رَأَىٰ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ ﴿٧٠وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴿٧١قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴿٧٢قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّـهِ رَحْمَتُ اللَّـهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ ﴿٧٣فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ﴿٧٤إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ ﴿٧٥يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴿٧٦﴾ سورة هود.

وکذلك نبي الله موسی عليه السلام في مقابلته مع السحرة الذين أتی بهم فرعون تحديا له، لما رأی ما جاءوا به من السحر شعر بالخوف، ولم يعرف کيف يبطل سحرهم، وکيف تکون النتيجة حتی أنزل الله تعالی عليه الوحي، وفي ذلك يقول:

﴿ قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ ﴿٦٥قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ ﴿٦٦فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ ﴿٦٧قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ ﴿٦٨وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ ﴿٦٩﴾ سورة طه.

وعندما ذهب إلی جبل الطور لأخذ الأوامر الإلهية والأحکام الشرعية، وکان قد أسرع المسير إلی الجبل رضاء لله تعالی، وکان في ذهنه أن بني إسرائیل من ورائه يأتون، وما کان يعلم أنهم ضلوا بعده، وبدأوا يعبدون العجل الذي صنعه لهم السامري، لم يعلم إلا بعد أن أخبره الله تعالی به، وفي ذلك يقول الله عزوجل:

﴿ وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ ﴿٨٣﴾ قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ ﴿٨٤﴾ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ﴿٨٥﴾ فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي ﴿٨٦﴾ سورة طه.

والحال مع نبي الله سليمان (عليه السلام) عندما غاب الهدهد عن الجمع لم يعلم أين ذهب، لذلك هدد بتعذيبه أو ذبحه إن لم يأته بدليل أو سبب معقول لغيابه، وکذلك لم يعلم عن بلقيس ومملکتها، إذ يقول الله تعالی:

﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ﴿٢٠﴾ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴿٢١﴾ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴿٢٢﴾ سورة النمل.

وعن نبي الله يعقوب عليه السلام نری أنه لم يکن مطلعا علی ما دبره أبناٶه لإبنه يوسف عليه السلام، لذلك عندما طلبوا منه أن يرسله معهم، ذکر أنه يخاف عليه الذئب، ولم يذکر أنهم متآمرون علی قتله، لهذا لما ذکروا أنهم سوف يحمونە ويحافظون عليه، أرسل معهم، وفي ذلك يقول الله تعالی: 

﴿ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ ﴿١١أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴿١٢قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ ﴿١٣﴾ سورة يوسف.

وأما عن نبينا محمد صلی الله عليه وسلم فالآيات في نفي علم الغيب عنه کثيرة، منها قوله تعالی:

﴿ قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّـهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿١٨٨﴾ سورة الأعراف/١٨٨.

وکذلك: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ سورة هود/٤٩.

وقوله تعالی: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ سورة الأحقاف/٩.

ويقول: ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّـهِ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ ﴿٢٠﴾ سورة يونس/٢٠.

وهذا حال کل الأنبياء والمرسلين وکل المخلوقات مع مسألة الغيب، حجبه الله تعالی عن کل أحد منهم.

ومن الأهمية بمکان التذکير أن نبينا (صلی الله عليه وسلم)، وکل الأنبياء عليهم السلام، ذکروا أمورا کثيرة تتعلق بالمستقبل کعلامات الساعة وحياة البرزخ ويوم القيامة، والجنة والنار، وأمور أخری کثيرة متعلقة بالغيب، هذه الأمور التي ربما يستدل بها أحد فيدعي أن الأنبياء کانوا مطلعين علی الغيب.لکن هذا غير صحيح، وليست فيه أية دلالة، بل ذلك مما شاء الله أن يظهر من علمه لهم، وهي متعلقة بالعقيدة، فأراد الله تعالی أن يبينها للإنسان ليعلم ما ستـٶول إليه حياته بعد المماة، وليتعرف علی المصير الذي ينتظره يوم القيامة، خيرا أوشرا، فيختار له أحد الطريقين، أو أطلعهم الله جل شأنه علی بعض الأمور تصديقا لهم وتسهيلا لدعوتهم.

يقول الله جل شأنه: ﴿..وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾ سورة البقرة/٢٥٥.ويقول: ﴿ قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (25) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28) سورة الجن.

بناءا علی هذا فإن کل ما قاله النبي (صلی الله عليه وسلم) من الأمور الغيبية هو من الوحي الذي کان ينزل عليه، إذ يقول الله تعالی: ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ﴿٣﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ﴿٤﴾ سورة النجم.وأمره الله أن يعلن للناس أنه يتبع الوحي الإلهي لئلا يظن أحد أنما يقول شيئا من عنده، کما في قوله تعالی: ﴿..إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ سورة الأحقاف/٩.

وإذا کان رسل الله (عليهم السلام) لم يعلمون الغيب وهم الذين کان الوحي ينزل عليهم، فكيف بمن هم دونهم بمراتب ؟

بعد إيراد هذه الآيات التي تـٶکد أن علم الغيب خاص بالله تعالی وحده، وتلك التي تنفي عن کل المخلوقات بصورة عامة، نسأل علماء الشيعة هل توجد في کتاب الله آيات تستثني أئمتکم من هذا العموم ؟ أين هي فليأتونا بها إن کانوا صادقين ؟!

ولقد إدّعى الجن قبلهم علم الغيب فكذّبهم الله عزوجل، کما جاء ذلك في کتاب الله: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾ سورة سبأ/١٤.

وأما عن السٶال الثاني فيما إذا کانت " الأئمة " إستفادوا من علم الغيب الذي ينسبه الشيعة إليهم، أم لا ؟ نجد أن سيرتهم أيضا تکذب إدعاءات الشيعة.

لنأخذ أولا الخليفة الراشد أمير المٶمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، ونتحدث عن ثلاثة أحداث مهمة من حياته.

الحدث الأول هو أن قاتله عبدالرحمن بن ملجم وصاحبيه الذين دبروا مٶامرة قتله وقتل معاوية بن سفيان وعمرو بن العاص (رضي الله عنهم)، کانوا ضمن جيش علي (رضي الله عنه) ومن مٶيديه، ومن ثم إنشقوا عليه مع الخوارج وکفروه.ويوم کانوا في جيشه، ما کان يعلم علي (رضي الله عنه) أن قتله سوف يکون بيد إبن ملجم.وحتی کان يجهل مٶامرة قتله، وليس في کل کتب التاريخ دليل يشير إلی علمه بذلك.

وأما الرواية التي يرويها الشيعة أنه في الليلة التي قتل فيها، کان يعلم أنه سيقتل في تلك الليلة، هذه الرواية فيها أکثر من إشکال.لکن قبل إيراد الإشکالات أضع الرواية بسندها بين يدي القارئ:

يروي الکليني عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عبدالحميد، عن الحسن بن الجهم قال: قلت للرضا (عليه السلام): إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد عرف قاتله والليلة التي يقتل فيها والموضع الذي قتل فيه وقوله لما سمع صياح الاوز في الدار: صوائح تتبعها نوائح، وقول ام كلثوم: لو صليت الليلة داخل الدار وأمرت غيرك يصلي بالناس، فأبى عليها وكثر دخوله وخروجه تلك الليلة بلا سلاح وقد عرف (عليه السلام) أن ابن ملجم لعنه الله قاتله بالسيف، كان هذا مما لم يجز تعرضه، فقال: ذلك كان ولكنه خير في تلك الليلة، لتمضي مقادير الله عزوجل (٨).

والإشکالات هي:

أولا- سند الرواية ضعيفة، ضعّفه الملا المجلسي الرواية في مرآة العقول، وکذلك ضعّفه العلامة البرقعي في کسر الصنم، وذلك لوجود سهل بن زياد الفاسد الرواية والدين، کما قال عنه إبن الغضائري في کتاب رجاله.

وهناك إشکال آخر في السند وهو أن فيه إنقطاعا، وذلك لأن الرضا هو أبو الحسن علي بن موسى الرضا، الذي يعتبره الشيعة إمامهم الثامن، ولد سنة ١٤٨ هجرية، بينما کان إستشهاد أمير المٶمنين علي (رضي الله عنه) في سنة أربعين للهجرة، أي هناك فاصلة زمنية تقدر بمائة وثماني سنوات بين إستشهاده وولادة الرضا.ولم يذکر الرضا ممن سمعه.وهذا سبب آخر لضعف الرواية.

ثانيا- وعن متن الرواية، نتساءل أين الدليل على أن جبريل عليه السلام نزل علی علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وأخبره بذلك ؟ وأنه خُير في تلك الليلة، لتمضي مقادير الله عزوجل.هل يوجد في القرآن ما يشير إليه ؟

ومن جانب آخر، أقول: الإعتقاد أو التفوه بمثل هذه العبارات، أو عبارة ((هذا مما لم يجز تعرضه)) جهل تام بموضوع القدر، لأننا عندما نفر من قدر أو نتوقی منه، لا يعني أننا ننکره، بل ندخل في قدر آخر، أي نهرب من قدر إلی قدر.الموت قدر، والقتل قدر، والوقاية قدر، والحذر قدر، والدفاع عن النفس قدر، کلها أقدار..والخليفة الراشد لم يکن جاهلا بهذا.

ثالثا- علی فرض صحة الرواية رغم کل الإشکالات، هل أن الأوزة کانت تعلم الغيب، حتی يکون صياحها دليلا علی إستشهاد أمير المٶمنين ؟ وما المناسبة والعلاقة بين صياح الأوزة وبين إستشهاده ؟ ولماذا لم يخبر أهله وعياله قبل ذلك، أو حتی في تلك الرواية، لماذا لم يقل أن عبدالرحمن بن ملجم مختبئ في المسجد وأنه سيقتله الليلة عندما يذهب للصلاة ؟ لماذا يقول کلاما غامضا " صوائح تتبعها نوائح ".

وأما ربط صياح الحيوانات والطيور بالأحداث هي من الخرافات التي لم ينزل الله تعالی بها من سلطان.الخرافيون والجهلاء الذين ليس لهم مسکة علم، هم الذين يعتقدون بمثل هذه الخرافات والإعتقادات الباطلة، أما الذين عندهم أثارة من العلم الشرعي لا يمکن أن يعتقدوا بمثل هذه الترهات.

هناك مسألة أخری، وهي أن کثيرا منا وأحيانا کثيرة يذکر أن حادثة ما ستقع أو يصف حادثة بشکل ما، فتقع أو تظهر أنها کانت حدثت کما قال أو توقع، هل هذا يعني أننا نعلم الغيب ؟ بکل تأکيد لا، ولا أحد أيضا يدعي أنه قالها بناءا علی معرفته بالغيب.وهذه الحادثة علی فرض صحتها کما قلنا، وهي غير صحيحة، لا تخرج عن هذا الإطار، لذلك لا يمکن الإستدلال بها علی معرفة الغيب.

إضافة إلی ذلك أن الرواية مخالفة لقول الله تعالی: ﴿..وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ سورة لقمان/٣٤.

والحدث الثاني في حياة الخليفة الراشد هو أن قاتل الحسين، شمر بن ذي الجوشن، کان ضمن جيش علي بن أبي طالب، وکان الحسن والحسين أيضا في جيش أبيهما وکانوا جميعا يلتقون مع البعض، ومع ذلك لم يکن أحد منهم يعلم أن إبن ذي الجوشن سوف يکون قاتل الحسين في کربلاء.ولا يوجد في کتب التاريخ، حتی کتب الشيعة أنفسهم ليس فيها أن أحدهم کان عالما بذلك، وکذلك طول المدة لم يصدر عن أحدهم ما يشير إلی ذلك.ولو کان مع أحدهم شيء من هذا العلم کان لابد أن يظهره، وأن يستفيدوا منه علی الإقل من إجل الحفاظ علی حياتهم.

والحدث الثالث الذي أود إيراده، أنه لمّا هرب مَصْقلة بن هُبيرة الشيباني إلى معاوية، وكان قد ابتاع سَبْيَ بني ناجية من عامل أميرالمؤمنين (عليه السلام) وأعتقهم، فلمّا طالبه (عليه السلام) بالمال خاس به، وهرب إلى الشام، فقال: قَبَّحَ اللهُ مَصْقَلَةَ ! فَعَلَ فِعْلَ السَّادَةِ، وَفَرَّ فِرَارَ الْعَبِيدِ ! فَمَا أَنْطَقَ مَادِحَهُ حَتَّى أَسْكَتَهُ، وَلاَ صَدَّقَ وَاصِفَهُ حَتَّى بَكَّتَهُ، وَلَو أَقَامَ لاَخَذْنَا مَيْسُورَهُ، وَانْتَظَرْنا بِمَالِهِ وُفُورَهُ (٩).

إذا كان يعلم الغيب فكيف خفي عليه أن مَصْقَلة بنُ هُبيرة الشيباني سوف يخونه ولا يدفع المال ؟

وحديثه مع الخليفة الراشد عثمان بن عفان (رضي الله عنه) أيضا يصب في هذا الإتجاه، إذ يؤكد بلسانه عدم إختصاصه بعلم دون غيره من الناس، ويشير إلى أن ليس لديه علم يجهله عثمان، فيقول له: " إِن النَّاس ورائي، وقد استسفروني بينك وبينهم، ووالله ما أَدرِي ما أَقول لك ! ما أعرِف شيئا تجهله، ولا أدلك على أمر لاَ تَعْرِفُهُ، إِنَّك لَتَعْلمُ مَا نَعْلَمُ، مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْء فَنُخْبِرَكَ عَنْهُ، وَلاَ خَلَوْنَا بِشَيْء فَنُبَلِّغَكَهُ، وَقَدْ رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا، وَسَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا، وَصَحِبْتَ رَسُولَ الله (صلى الله عليه وآله) كَمَا صَحِبْنَا " (١٠).يا تری هل کان کاذبا هنا مع عثمان أم کان صادقا معه ؟ بکل تأکيد کان صادقا.

وأما إبنه الحسن (رضي الله عنه) الذي يزعم الرافضة أن زوجته هي التي قتلته، وذلك بدس السم في طعامه.إذا کان هذا الزعم صحيحا، فهو دليل علی أن الحسن (رضي الله عنه) کان جاهلا بأمور الغيب، وإلا کيف يتزوج إمرأة تقوم بعد مدة بخيانته والمٶامرة عليه ودس السم في طعامه لقتله ومن ثم الزواج من غيره ؟ لماذا تزوجها أصلا، هل أن أحدا أجبره علی ذلك ؟ أو لماذا تناول الطعام المسموم، هل کان مجبورا ؟ هل يقول بذلك عاقل يحترم عقله ؟ لأن الذي يعلم أن طعامه مسموم وأنه إذا ما أکله سوف يموت، ومع ذلك يأکله فيموت، يعتبر منتحرا، أي قاتل نفسه، وهو في شريعة الإسلام حرام، ولا فرق بين أن يقتل نفسه أو غيره ؟  

وفيما يخص الحسين بن علي (رضي الله عنهما)، فالأحداث في حياته کثيرة کلها تدل أنه کان جاهلا بعلم الغيب.لنأخذ حادثة خروجه علی يزيد مثلا.کلنا يعلم أن الحسين (رضي الله عنه) لم يبايع يزيدا، لا لأنه کان يريد الخلافة لنفسه، بل کان يری أن يزيد ليس أهلا لها، وهذا من حقه ومن حق کل أحد، أن يری في الآخرين ما يعتقده.لکن بعدما راسله أهل الکوفة وعاهدوه بالبيعة للخلافة، أرسل إبن عمه مسلم بن عقيل إليهم للتأکد من عهودهم ومواثيقهم، فکتب إليه إبن عقيل يستقدمه بعدما بايعه عشرون ألفا.لکن مسلما اعتقل من قبل عبيدالله بن زياد قبل وصول رسالته ولم يعلم به الحسين.وإستلم الرسالة يوم التروية، اليوم الثامن من ذي الحجة، وکان الحسين يٶدي مناسك الحج.وقتل إبن زياد مسلم بن عقيل قبل وصول الرسالة بيوم واحد، أي عندما إستلم الحسين الرسالة کان إبن عقيل قد قتل، ولم يعلم به الحسين، لذلك لما وصلته الرسالة جعل حجه عُمْرة، وسارع نحو المدينة ومنها إلی الکوفة.ولم يعلم الحسين (رضي الله عنه) لا بإعتقال مسلم بن عقيل ولا بمقتله إلا بعدما صار قريبا من کربلاء وأخبره الناس بذلك.ولما علم هم بالرجوع، لکن إبني مسلم اللذان کانا معه رفضا الرجوع وعاهدا أن لا يرجعا إلا بعد أخذ ثأر أبيهما، فمضی الحسين في مسيره حياء منهما.وکذلك لم يعلم بغدر أهل الکوفة ونقضهم بيعتهم له إلا في أرض کربلاء.الأسئلة هنا، إذا کان يعلم الغيب کيف خفي عليه خدعة أهل الکوفة له، وکيف إنخدع برسائلهم وعهودهم ومواثيقهم فأرسل إبن عمه مسلم بن عقيل إليهم، ولم يقدر مخاطر إرساله، علما أنه کان يعلم أن أهل الکوفة هم الذين قتلوا والده، وهم الذين حاولوا قتل أخيه الحسن (رضي الله عنه) من قبل ؟ وکذلك إذا کان يعلم الغيب کيف لم يعلم بإعتقال إبن عقيل ولا بمقتله عندما وصلته رسالته، فسار بأهله إلی أرض کربلاء، ليواجه الفاجعة ؟؟!!

إضافة إلی ما سبق، هناك رواية أخری رواها الکليني عن جعفر الصادق (رحمه الله) تناقض الروايات السابقة المروية عنه، وتنفي معرفتهم بالغيب، إذ يقول: يا عجبا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلا الله عزوجل، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة، فهربت مني، فما علمت في أي بيوت الدار " (١١).

وعلاوة علی ذلك أن أحد الشيعة أتی جعفر الصادق وعرف نفسه له، لم يعرفه الصادق (رحمه الله)، إذ روی الکليني في الکافي أن عبدالله بن كيسان قال لجعفر الصادق (رحمه الله): جعلت فداك أنا مولاك، عبد الله بن كيسان، قال: أما النسب فأعرفه، وأما أنت، فلست أعرفك " (١٢).

وأما عن موسی الکاظم، الذي يعتبره الشيعة إمامهم السابع، کان علي بن حمزة البطائني وکيله، فاختلس أمواله التي كانت مودعة عنده.وکذلك فعل زياد القندي الذي کان قائما بأموره ووکيله، وکان لديه سبعون ألف دينار من أموال الکاظم (رحمه الله)، ولکي ينهب تلك الأموال ويأخذها بعد وفاة الکاظم أنکر وفاته وأنکر إمامة الرضا، وإعتقد ببطلان إمامة کل الأئمة بعده (١٣).السٶال هنا کيف يزکي " الإمام " شخصا ويجعله وکيله، ثم يخونه ذلك الشخص ويختلس أمواله، وينکر إمامتهم ؟

وعن السٶال الثالث حول کتب الأئمة الذي طرحناه في البداية، نکرره ونسأل إذا کان الأئمة يعلمون الغيب، کان ينبغي أن يعلموا أن الکذابين وفاسدي الدين أمثال سهل بن زياد وجابر بن يزيد الجعفي وزرارة بن أعين سوف يکذبون ويختلقون الروايات وينسبونها إليهم، فلماذا لم يدونوا علومهم في الکتب والمصنفات لقطع الطريق عليهم ؟ لماذا لم يودعوا علومهم في الکتب ليتسنی علی الأقل للشيعة الإستفادة من علم الغيب الذي کان عندهم، لئلا يختلفوا وتتفرق بهم الأهواء إلی فرق وجماعات ؟

وفي الختام أود التذکير أن الأحداث التي ذکرتها عن حياة أمير المٶمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وإبنيه وذريته، ومسألة السٶال عن کتب الأئمة، لم أسُقها کأدلة مستقلة، وإن کانت أدلة قوية في مادتها ومضمونها، بل ذکرتها کتوضيحات لآيات القرآن التي أوردتها حول الموضوع، لأن کلام الله تعالی هو الأصل الذي ينبغي الرجوع إليه في کل شيء، فکل ما وافقه قبلناه وأخذنا به، وما عارضه ضربناه عرض الحائط.

حلقات أخری تتبع..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الكافي ج١: كتاب الحجة: باب: أن الائمة (عليهم السلام) يعلمون علم ما كان وما يكون وانه لا يخفى عليهم الشئ صلوات الله عليهم.رقم الرواية:٢.

(٢) الكافي ج١: كتاب الحجة: باب: باب ان الائمة هم أركان الارض.رقم الرواية:١.

(٣) الكافي ج١: كتاب الحجة: باب: أن الائمة (عليهم السلام) يعلمون متى يموتون، وانهم لا يموتون الا باختيار منهمز رقم الرواية:١.

(٤) الكافي ج١.كتاب الحجة.باب أن الائمة (عليهم السلام) يعلمون علم ما كان وما يكون وانه لا يخفى عليهم الشئ صلوات الله عليهم.رقم الرواية:١.

(٥) الكافي.ج١: الكليني.كتاب الحجة.باب: أن الائمة (عليهم السلام) إذا شاؤوا أن يعلموا علموا.

(٦) الكافي ج١: كتاب الحجة.باب أن الائمة (عليهم السلام) إذا شاؤوا أن يعلموا علموا.

(٧) الكافي ج١: كتاب الحجة.باب أن الائمة (عليهم السلام) إذا شاؤوا أن يعلموا علموا.

(٨) الكافي ج١: كتاب الحجة.باب أن الائمة (عليهم السلام) يعلمون متى يموتون، وانهم لا يموتون الا باختيار منهم.رقم الرواية ٤.

(٩) نهج البلاغة.الخطبة: ٤٤.

(١٠) نهج البلاغة.الخطبة ١٦٤.

(١١) الكافي ج١: كتاب الحجة: باب: نادر فيه ذكر الغيب.رقم الرواية ٣.

(١٢) الکافي.ج٢.باب طينة المٶمن والکافر.رقم الرواية ٥.

(١٣) کسر الصنم.العلامة البرقعي (هو تحقيق البرقعي للجزأين الأول والثاني من کتاب الکافي، اللذان يسميان بأصول الکافي).


 

28/2/2013

 

ئه‌و بابه‌تانه‌ی له‌ کوردستان نێت دا بڵاوده‌کرێنه‌وه‌، بیروبۆچوونی خاوه‌نه‌کانیانه‌، کوردستان نێت لێی به‌رپرسیار نییه‌.