قبل عدة أيام نشرت مقالاً في صحيفة "الحوار المتمدن" الالكترونية, ومن ثم في المواقع الأخرى, وكان بعنوان (مقارنة بين وضع الجالية الكوردية في إسرائيل ووضع الجالية الكوردية في فلسطين؟) وتطرقت في جانب منه باختصار شديد عن جمهوريتي سوريا والعراق اللذان لا زالا يحتلان أراضي شاسعة ومدن عديدة من الوطن الكوردي, كوردستان. وظهر لي فيما بعد أثناء مراجعتي لمقالاتي المنشورة في تلك المواقع الغراء, أن كلامي لم ترق للسيدة (نايا) التي حفزتها عصبيتها وكتبت تعليقاً تهجمياً تحت عنوان "مغالطات مقصودة". للعلم, أن (نايا) اسم علم كوردي محرَّف ناي, آلة عزف نفخية من القصب معروفة منذ القدم عند الشعب الكوردي. ونبتة القصب تسمى في اللغة الكوردية الـ"نَيNey = " وبهذا يكون اسم على مسمى. طبعاً لاسم (نايا) معنى آخر إلا أنه بعيد عن الحقيقة فلذا أهملته. وقالت العزيزة (نايا) في تعليقها العدائي المقتضب, الذي ذكرنا عنوانه أعلاه:" ما هذه المغالطات والهراء المشوه؟ البلاد العربية لم تحتل منطقة كردستان, التي لم يكن لها يوما حدود معروفة بالمفهوم السياسي اليوم. . . وما الوضع الحالي للحدود الجغرافية سوى نتيجة تقسيم سايكس بيكو للتحكم ومد سيطرته ونفوذه على المنطقة ما هذا الهـ. . . " هذا كل الذي قالته السيدة (نايا) في تعليقها الذي تفوح منه رائحة العنصرية الكريهة. عزيزي القارئ الكريم, أن كلام السيدة (نايا) سوف يكون محور مقالنا هذا. لقد اتهمتني بالهُراء. يعني أنني أتكلم خارج المنطق السليم. وقبل هذا قالت: "أني أسطر المغالطات". والمغالطة يقع فيها المرء دون قصد منه. ليس هذا فقط, بل حاولت تتشاطر علينا, عندما وصفت وطننا كوردستان بالمنطقة. لمن لا يعرف المغزى الشيطاني لهذه التسمية, أنها تعني أرض محددة تكون تابعة لدولة ما؟. على أية حال, بما أنها امرأة نكن لها كل الاحترام والتقدير, ولا نرد عليها بنفس الأسلوب الركيك الذي هاجمتنا به, ولا نصفها بالهُراءة. نعديها هذه المرة. إن السيدة (نايا) تقول لنا في تعليقها المختصر: "أن البلاد العربية لم تحتل كوردستان". وفق تفكير(نايا) هانم المغلوط, كأن الكورد و كوردستان منذ الأزل كانا جزءان لا ينفصلان من هذه البلاد المتخلفة, التي بدأت رويداً رويداً توصم بالعربية منذ أواسط قرن العشرين من قبل العروبيون, الذين استولوا على السلطة في هذه البلاد. . بانقلابات دموية مشبوهة خططت لها في دهاليز دوائر المخابرات الغربية الاستعمارية ونفذتها مجاميع من أولئك الإرهابيون أصحاب السوابق الممتهنين للإجرام والتخريب. مثال سوريا التي أصبحت بقدرة الانقلابيون القتلة الأوباش بعد قبر الوحدة بينها وبين مصر عام (1961) الجمهورية العربية السورية. ألا أن الكيان العراقي رغم أن العرب لهم اليد الطولى في البلد منذ عقود طويلة وأحرقوا فيه الأخضر واليابس, لكن بقي اسمه نقياً إلى اليوم خالية من تسمية العربية التي عند لصقها بذيل اسم أي بلد غير عربي يلغي هويته الحقيقية و هوية الشعوب الأصيلة التي وجدت فيه قبل مجيء العرب إليه من الحجاز إبان نشر العقيدة الإسلامية بآلاف السنين. ومن هذه الشعوب العريقة الشعب الكوردي الذي وجد على أرض الرافدين وكوردستان منذ عصور سحيقة يصعب تحديد تاريخها, بدليل أن العرب الغزاة حين جاؤوا من صحراء الحجاز واحتلوا العراق وكوردستان وجدوا فيهما شعباً عريقاً اسمه الشعب الكوردي, وذكرهم المؤرخون العرب والمسلمون بهذا الاسم, الأكراد. بهذا الصدد يذكر لنا المؤرخ المعروف أبو حسن علي بن محمد بن عبد الكريم الشهير بـ(ابن الأثير) عاش بين أعوام (1160- 1233م) (فتح) الموصل, حيث يقول: إن عمر بن الخطاب استعمل عتبة بن فرقد على الموصل وفتحها سنة (عشرين) للهجرة فأتاها فقاتله أهل نينوى فأخذ حصنها وهو الشرقي عنوةً وعبر دجلة فصالحه أهل الحصن الغربي وهو الموصل على الجزية ثم فتح المرج وبانهذار و باعذرا وحبتون وداسن وجميع معاقل الأكراد و قردى و بازبدى وجميع أعمال الموصل صارت للمسلمين. دعونا ننتقل إلى مؤرخ آخر من فطاحل المؤرخين المسلمين في صدر الإسلام وهو (أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري) ولد في بداية القرن الثالث الهجري وتوفى عام (297) للهجرة، مؤرخ وراوية و شاعر له كتب عديدة منها كتابه الشهير (فتوح البلدان) قل من لم يسمع به من المسلمين. لنرى ماذا يقول (البلاذري) في كتابه المشار إليه, يقول: حدثني (أبو رجاء الحلواني) عن أبيه, عن مشايخ شهرزور قالوا: شهرزور و الصامغان و درآباد من فتوح عتبة بن فرقد السلمي فتحها و قاتل الأكراد فقتل منهم خلقاً. ولى عمر بن الخطاب عتبة بن فرقد السلمي الموصل سنة عشرين، فقاتله أهل نينوى فأخذ حصنها وهو الشرقي عنوة وعبر دجلة فصالحه أهل الحصن الآخر على جزية. ثم فتح المرج وقراه و أرض باهذرة و باعذرة و الحنانة و المعلة و دامير و جميع معاقل الأكراد. من المدن الكوردستانية الأخرى التي غزتها جحافل العرب المسلمون مدينة (خانقين) التي ذكرها (البلاذري) في كتابه (فتوح البلدان) صفحة (109) يقول:إن جرير بن عبد الله أتى إلى (خانقين), و بها بقية من الأعاجم فقتلهم. - الأعجمي هو غير العربي-. يا سيدة (نايا) لم أذهب بعيداً في ثنايا التاريخ لأريك اسم الشعب الكوردي كما يلفظ ويُكتب اليوم, فقط جئت لك بنموذجين مما ذكرهما مؤرخان مسلمان قالا بصراحة ووضوح, أن العرب حين جاءوا إلى العراق وكوردستان وجدوا على أرضهما شعباً باسم الشعب الكوردي, له مدن وقلاع وحصون, ودافع هذا الشعب الأبي عن وجوده في وطنه بكل اقتدار وعزم لا يلين ضد الغزاة الغرباء القادمون من خلف الفرات. بعد هذه النبذة المختصرة, أتريد أن أأتي لكِ من بواطن كتب التاريخ العربي والآرامي اسم الكورد منذ عهدي سومر و بابل؟. رغم أني ذكرت هذه الجوانب التاريخية المشرقة للكورد بالتفصيل في مقالات سابقة, أما إذا طولتِ لسانك واستمرتِ بتسطير المغالطات الرخيصة بأسلوب هجومي وعنصري مقيت سوف أأتيك بالمزيد لكي تعرفِ حجمكِ وحجم العرب الطبيعي في التاريخ؟. ثم قالت (نايا) لكي نكون نحن الكورد شعباً له حق الحياة في الوجود أسوة بشعوب العالم, اشترطت علينا وجود حدود معروفة لوطننا كوردستان بالمفهوم السياسي اليوم. للأسف, أن المشكلة عند هؤلاء. . ؟ لا يقرؤون وإذا قرؤوا لا يفهمون وإذا فهموا ينسون أو يتناسون. سبق لنا تحدثنا كثيراً عن الكورد وكوردستان في ردود ومقالات ودراسات عديدة, ألا أنني سأنزل هذه المرة أيضاً عند رغبة السيدة (نايا) ونعرض لها ولمن على شاكلتها باختصار جانباً من الدول الكوردية التي أقيمت في فترات متباينة في التاريخ القديم والحديث. لا أشير إلى إقليم جنوب كوردستان, رغم أنه دولة غير معلنة, لكن بما أنه غير معلن لا أعده ضمن الدول الكوردية التي ذكرت في التاريخ, ألا أن مملكة محمود الأول التي تأسست عام (1918) في جنوب كوردستان كانت دولة ولها الحدود السياسية بمفهوم اليوم وأصدرت الطوابع وانبثقت عنها مجلس وزراء الخ, ألا أنها لم ترق للبريطانيين فلذا هجموا عليها وأسقطوها وألحقوها بالكيان العراقي الذي صنعوه ملكاً ومملكةً خدمة لمصالحهم الاستعمارية اللعينة. مما لا شك فيه أن الغالبية العظمي من المسلمين وغيرهم يعرفون أن العراق وسوريا وبلدان أخرى التي كانت خاضعة للحكم العثماني التركي كانت مقسمة إلى ولايات كولاية حلب وولاية بغداد وولاية البصرة الخ. الخارطة أدناه صدرتها الدولة العثمانية عام (1892م) وفيها ولاية كوردستان بالخط العريض ومن ضمنها مدينتي كركوك والموصل الكورديتين. أليست هذه الحدود المسومة لكوردستان هي بالمفهوم السياسي لليوم يا سيدة (نايا)؟؟؟.
وفي بداية العشرينيات القرن الماضي أعلن سمكو قيام دولة كوردستان في شرقي كوردستان (إيران). أداه خارطة قديمة عمرها (1000) سنة, حيث ترى فيها مدون بوضوح بين أرض العراقين وأرض الشام, أرض الأكراد. لاحظ عزيزي القارئ, أن الوطن الكوردي اسمه أرض الأكراد أي: أن اسم وطنهم مقترن باسمهم القومي؟ ولا نجد في هذه الخارطة القديمة وطنناً يحمل اسم العرب؟. إن هذه الوثيقة التاريخية تمنحنا حقاً شرعياً يفتقد إليه الآخرين؟ لأنها قالت أرض العراقين ولم تذكر العرب, يا ترى من كان يستوطن العراق في ذلك التاريخ؟. وكذلك أرض الشام. أيضاً لا تجد فيها اسم وطن للأتراك في موقع ما تسمى بتركيا اليوم, لأن تاريخ رسم الخارطة يسبق مجيء الأتراك الطورانيون إلى المنطقة؟؟؟. للعلم, أن الشخص الذي رسم هذه الخارطة, هو عالم تركي اسمه (محمود الكاشغري) عالم بالأنساب ومؤرخ, عاش بين أعوام (1005 - 1102م) والخارطة موجودة في كتابه ( تاريخ لغات الترك) الذي ألفه باللغة العربية وأنجزه عام (1074) وأهداه إلى نجل الخليفة العباسي المقتدى بأمر الله, الأمير أبو القاسم عبد الله.
وفي شمال كوردستان تأسست في القرن التاسع عشر إمارة كوردية مستقلة بقيادة (بدرخان باشا) التي شملت أجزاءاً من جنوب وشرقي كوردستان أيضاً. ومن ثم تأسيس جمهورية كوردستان عام (1946) في شرقي كوردستان بقيادة القاضي (محمد علي) وكانت عاصمتها مدينة (مهاباد) التي غدت إبان الجمهورية قِبلة الكورد في عموم كوردستان. بما أن أصالة وعراقة الشعب الكوردي ووطنه كوردستان لا يستطيع أحد تجاوزها وإغفالها, نرى أن تنظيم الدولة الإسلامية المعروفة اختصاراً بـ"داعش" هي الأخرى لم تستطع إنكارها عندما اعتمدت خارطة لدولتها الإسلامية, حيث تشاهد أرض كوردستان بحجمها الطبيعي من البحر إلى البحر.
أداه خارطة كوردستان التي تم تسليمها من قبل الوفد الكوردي إلى عصبة الأمم التي كانت قبل الأمم المتحدة أيضاً تبدأ من البحر الأبيض المتوسط إلى بحر الخليج الفارسي وهي مأخوذة من الخارطة التي رسمها أمير الأمراء (شرفخان البدليسي) ووضعها في كتابه الشهير المسمى (شَرفنامَي تاريخ كورد) الذي أهداه إلى الشاه عباس الصفوي. لو لم تكن هذه الخارطة صحيحة مائة بالمائة لضرب الشاه الصفوي عنق الأمير, لأنه يدعى شيئاً وهمياً, غير موجود على أرض الواقع, لكن, بما أن الأمير لم يزور شيئاً في مؤلفه المذكور, فلذا قبل الشاه الكتاب كهدية وكافأ الأمير عليه.
